مجموعة مؤلفين
232
أهل البيت في مصر
العطف ، فتمادت في خدمتها ، ونسيت نفسها في سبيل عمّتها ، فلازمتها وأصبحت كظلّها ، وعافت الزواج لتنفرد بخدمتها ، وتسهر على راحتها ، وتقضي لها حاجتها ، وما رحلت عمتها نفيسة بنت زيد إلى مصر ، إلّاشوقاً لبنت أخيها ، وكان برّها لخادمتها « جوهرة » ، ومعاملتها لها أحسن معاملة ، فأشرب في قلبها حبّها ، والإخلاص إليها إلى ما عرف عنها من إيثار ذويها وبرّهم ، ممّا جعلها تملك قلوبهم . . وكان كثيرة الخير والبرّ ، تواسي البائسين ، وتسعف الملهوفين ، وتفرّج كرب المكروبين ، وكان لها مال كثير إلى مال زوجها ، تحسن من كلّ أولئك إلى المرضى والمحتاجين والناس عامةً ، فما كانت تردّ سائلًا ، ولاتمنع مستجدياً ، وكانت تتعرّف من به حاجة ، فتقضي حاجته ، سخيّةً لكلّ من يتّصل بها ، نديّةً لكلّ من يلوذ بها ، ويحوم حول رحابها . وهب لها أحد الأمراء مائة ألف درهم ، وقال : خذي هذا المال شكراً للَّهتعالى لتوبتي ، فأخذته وصرّته صرراً بين يديها ، وفرقت الصرر عن آخرها ، وكان عندها بعض النساء فقالت لها : يا سيدتي ، لو تركت لنا شيئاً من هذا الدراهم لنشتري به شيئاً فنفطر عليه ؟ ! . فقالت لها : خذي غزلًا غزلته بيدي فبيعيه بما تشتري به طعاماً نفطر عليه ، فذهبت المرأة وباعت الغزل وجاءت بما أفطرت به هي وأيّاها ، ولم تأخذ من المال شيئاً « 1 » . فهي الجوادة بنت الجواد ، وهي من قوم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة . وكانت رضي اللَّه عنها عيوفة عزوفة ، فما عرف عنها أنّها مدّت يدها لمخلوق ، وما كانت تأخذ شيئاً ممّا كان يأتي إليها من منح الأُمراء والعظماء ، بل أنّها كانت تبعث به إلى ذوي الحاجات ، سخاء نفس وعزّة فطرة ، وما كانت تنفق على نفسها وأفراد بيتها إلّاما كان من مالها أو مال زوجها أو ما يأتيها ممّا تغزله بيدها ، وكانت لا تأكل طعاماً لغير زوجها .
--> ( 1 ) . تحفة الأحباب : 106 .